باكستان تغيّر قواعد الوساطة مع إيران

تعمل باكستان على بلورة صيغة جديدة لإحياء المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، تقوم على الانتقال من تبادل الرسائل السياسية إلى اختبار قدرة طهران على تقديم التزامات موحدة قابلة للتنفيذ من مختلف مؤسساتها.
ويأتي هذا التحرك في ظل اتصالات يقودها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير مع أطراف إقليمية وأميركية، ضمن مساعٍ لإعادة فتح مسار الحوار المتوقف بين واشنطن وطهران.
وبحسب المعطيات المتداولة، بدأت إسلام آباد هذا المسار بعد محادثات استكشافية أجرتها مع مسؤولين إيرانيين خلال زيارات متبادلة في تموز الماضي، في إطار جهود تهدف إلى استئناف المفاوضات بدعم من أطراف إقليمية، بينها الصين.
وأبلغت باكستان الجانب الإيراني بأن وقف الهجمات التي تهدد دول الخليج وحركة الملاحة البحرية سيكون من بين الشروط الأساسية قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، في محاولة لتقليص المخاوف الأمنية المرتبطة بالتصعيد الإقليمي.
وتعتمد إسلام آباد على مسارين متوازيين في تحركاتها؛ الأول سياسي يقوده رئيس الوزراء مع الحكومات والوسطاء، والثاني أمني وعسكري يتولاه قائد الجيش عبر اتصالات مع مسؤولين في واشنطن وطهران.
رد إيراني موحد
تسعى الصيغة الباكستانية الجديدة إلى الحصول على رد إيراني مكتوب يحظى بموافقة الجهات الدبلوماسية والعسكرية المعنية بالتنفيذ، بعد ظهور تباينات في مراحل سابقة بين المواقف السياسية المعلنة والتحركات الميدانية.
وتطالب إسلام آباد بأن يتضمن أي تفاهم مستقبلي تحديد الجهات الإيرانية المسؤولة عن تنفيذ الالتزامات الأمنية، ولا سيما ما يتعلق بالملاحة ووقف التصعيد والتحركات العسكرية، لتجنب بقاء الاتفاقات عرضة للتفسيرات المتباينة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية.
كما تتضمن الخطة إعداد وثيقتين تمهيديتين؛ تحدد الأولى الخطوات التي يتعين على طهران تنفيذها في المرحلة الأولى، بينما توضح الثانية الجهات المخولة بمتابعة التنفيذ والتعامل مع أي خروقات محتملة.
وتدرس باكستان استضافة لقاء فني وأمني تمهيدي قبل الانتقال إلى مفاوضات سياسية شاملة، بحيث يتم تقييم الإجراءات الإيرانية أولًا قبل توجيه دعوة رسمية إلى الوفدين الأميركي والإيراني.
اختبار قبل استئناف الحوار
وترى مصادر دبلوماسية أن واشنطن تريد ضمانات واضحة قبل الدخول في أي جولة جديدة، أبرزها تقديم التزامات محددة بجدول زمني وآليات تنفيذ قابلة للتحقق.
كما تشترط الولايات المتحدة، وفق هذه الرؤية، أن تكون المواقف الإيرانية ضمن وثيقة واحدة تحدد الجهات التي وافقت على البنود والجهات المكلفة بتنفيذها، مع الفصل بين ملفات الملاحة والبرنامج النووي والتحركات الإقليمية.
ويأتي التحرك الباكستاني في وقت لا تزال فيه جهود إعادة فتح مضيق هرمز تواجه عقبات مرتبطة بترتيبات الملاحة والرسوم وآليات الإشراف، وسط استمرار التوترات الأمنية في المنطقة.
حدود الوساطة
ويضع هذا الدور باكستان أمام مهمة معقدة، إذ لا يقتصر دورها على نقل الرسائل بين الطرفين، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على ضمان أن أي تفاهم يتم التوصل إليه يمثل قرارًا يمكن تنفيذه داخل إيران.
ويرى مراقبون أن مشاركة القيادة السياسية والعسكرية الباكستانية تمنح إسلام آباد قنوات اتصال متعددة مع واشنطن وطهران، لكنها في الوقت نفسه تزيد من مسؤولية نجاح الوساطة أو فشلها.
وتشير التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة ستختبر مدى قدرة إيران على توحيد مواقف مؤسساتها وتقديم خطوات عملية، في وقت تسعى فيه باكستان إلى منع تكرار سيناريوهات سابقة تم فيها التوصل إلى تفاهمات سياسية من دون ضمانات واضحة للتنفيذ.




